خليل الصفدي
185
أعيان العصر وأعوان النصر
ففتحوا الباب ، وخرجت العجوز ، ومعها ولدها الصغير ، وعمره سبع سنين ، ولم يبق بينهم سوى هذا ، واسمه حجي ، وهو جد والد هذا ناصر الدين . ولما حضر السلطان صلاح الدين ، وفتح صيدا ، وبيروت توجه إليه هذا حجي ، وباس رجل السلطان صلاح الدين في ركابه فلمس رأسه بيده ، وقال : أنا آخذ ثأرك طيب قلبك أنت موضع أبيك ، وأمر له بكتابة أملاك أبيه ، وهي القرايا التي بأيديهم بستين فارسا . ولم يزالوا على ذلك إلى أيام الملك المنصور قلاوون فذكر أولاد تغلب من مشغرا قدام الشجاعي أن بيد الجبلية أملاكا عظيمة بغير استحقاق ، ومن جملتهم أمراء الغرب ، وتوجهوا معه إلى مصر فرسم المنصور بإقطاع أملاك الجبلية مع بلاد طرابلس لجندها ، وأمرائها فأقطعت لعشرين فارسا من طرابلس فلما كان أيام الملك الأشرف توجهوا إليه ، وسألوه أن يخدموا على أملاكهم بالعدة فرسم لهم بها ، وأن يزيدوها عشرة أرماح أخر . ولما كان أيام الروم في أيام تنكز ، وكشفها الأمير علاء الدين بن معيد حصل من تفضول في حقهم فرسم السلطان الملك الناصر أن تستمر عليهم بمضاعفة العدة فاستقرت عليهم لستين فارسا ، وهي إلى الآن باقية على هذا الحال . وأما هذا ناصر الدين فإنه كان جوادا سمحا لا يزول كرمه ، ولا يمحى يخدم أعيان الناس ، ويتجاوز الحد في ذلك ، والقياس ، ومن يتوجه إلى تلك النواحي فإنه يجد منه ثغر جود يخجل الأقاصي . وكان يكتب جيدا ، ويأتي من المحاسن ما حق له أن يدعى سيدا ، ويترسل ترسلا فيه فصاحة ، وبلاغة ، وكلمات كأنها قد صاغها صياغة ، وفيه عدة فضائل ، وكرم عشرة ، ولطف شمائل ، ورئاسة تدل على كرم أصله ، وسيادة يترجم عنها لسان قلمه ، ونصله . وهو مطاع في قومه لا يصل المشتري ، ولا زحل إلى سومة « 1 » إذا قال لأحدهم : اسكت رمي من وقته بالصمات ، وإذا قال له قم : قام . وإذا قال له : مت مات . يتسارعون إلى امتثال أوامره ، ويتقارعون على الفوز بالتحلي من كلامه بجواهره . ولم يزل على حاله إلى أن غرب نجم أمير الغرب ، ولم يدفع عنه أحد بطعن ، ولا ضرب .
--> ( 1 ) لا يصل المشتري ولا زحل إلى سومة أي إلى قيمته وقدرة ، والسوم : العلامة وفي الحرب أيضا تقول « تسوموا » فإن الملائكة قد تسومت . والمسومة : المعلمة وقوله تعالى : « مسومين » قال الأخفش : يكون معلمين ويكون مرسلين من قولك : ( سوم ) الخيل أي أرسلها وقوله تعالى : حِجارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً [ الذاريات : 33 ، 34 ] ، أي عليها أمثال الخواتيم وسيمة حسنة وإنه لغالي السيمة ، وسامه خسفا أي أولاه إياه وأراده عليه .